منوعات

دفنت امها بفلوس الجيران

وعلى الحائط الرئيسي كانت فيه خريطة كبيرة لمصر. عليها 18 دائرة حمرا. 17 منهم متشطب عليهم. والدائرة الأخيرة بس هي اللي متعلم عليها بسهم أسود. قربت من الخريطة. ولقيت السهم بيشير لمكان واحد. قرية صغيرة جدًا. اسمها مألوف بشكل غريب. فضلت أبص للاسم ثواني. ثم شهقت. لأنها كانت نفس القرية اللي اتولدت فيها أمي. أو الست اللي كنت فاكراها أمي. سامح قال هناك البداية… وهناك النهاية. ثم مشى ناحية مكتب قديم.

وفتح درج سفلي. وطلع ملف بني سميك. عليه بخط يد أمي يفتح بواسطة هناء فقط. مدهولي. إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه. أول صفحة كانت رسالة. مكتوب فيها يا هناء… إذا وصلتي للملف ده، يبقى معناه إن حد سبقنا للصندوق الثامن عشر. كملت قراءة بسرعة. متخافيش من الحقيقة… لكن خافي من الشخص اللي هيحاول يغيّرها. ثم الصفحة اللي بعدها كانت عبارة عن صورة. صورة حديثة جدًا. متصورة قبل وفاة أمي بأسابيع قليلة.

وأول ما شفت الشخص اللي واقف جنبها… وقعت الصورة من إيدي. لأن الشخص ده… كنت شوفته قبل كده. مش في الصور القديمة. ولا في الملفات. لكن في يوم دفنة أمي نفسها. كان واقف بعيد وسط الناس. يراقب الجنازة. وبمجرد ما لمحني يومها… اختفى وقعت الصورة من إيدي، وفضلت أبص لها على الأرض. نفس الوش. نفس النظرة الحادة. راجل متوسط العمر، شعره فيه شوية شيب، ولابس جلابية عادية جدًا تخليه يبان واحد من أهل البلد.

لكن أنا متأكدة إني شوفته يوم الدفنة. كان واقف بعيد عند سور المقابر. ولما بصيت له وقتها، لف ومشي بسرعة. سامح التقط الصورة وسألني إنتِ عرفتيه؟ قلت كان في جنازة أمي. اتجمد مكانه. متأكدة؟ هززت رأسي. فتح الملف بسرعة وقلب عدة صفحات. ثم أخرج صورة أقدم لنفس الرجل. وتحتها اسم مكتوب بخط أمي محمود عزت. وتحت الاسم جملة قصيرة آخر شخص قابلته قبل إخفاء الأمانة الأخيرة. ساد الصمت في الغرفة.

ثوانٍ طويلة. ثم لفت انتباهي شيء غريب. في آخر الصورة الحديثة كان فيه انعكاس زجاجي. كبرت الصورة وقربتها من عيني. وكان واضح إن أمي كانت واقفة أمام واجهة محل أو مبنى. وفوقها لافتة. نصف الاسم فقط ظاهر. …واني فضلت أركز. ثم انتفض سامح فجأة. الميناء الجواني! بصيت له باستغراب. قال مكان قديم على أطراف القرية… كان مخزن غلال زمان. ثم سكت وأضاف وهو المكان الوحيد اللي ما لقيناهوش في سجلات أمي.

في اللحظة دي رن هاتف البيت الأرضي. اتخضيت. البيت مهجور من بره، فمين ممكن يتصل؟ سامح رد. وسكت. ثم سمعته يقول مين؟ وبعد ثوانٍ تغير لون وجهه. ووضع السماعة ببطء. قلت مين كان؟ رد بصوت منخفض ما قالش اسمه. قال إيه؟ نظر إليّ مباشرة. وقال قال إن هناء لازم تروح الميناء الجواني لوحدها. شعرت ببرودة تسري في جسمي. وبعدين؟ ابتلع ريقه. وقال إن الوقت انتهى. وقبل أن أسأله أي شيء آخر، لفت نظري شيء خلف الملف.

جيب سري صغير داخل الغلاف. فتحتُه. ولقيت مفتاحًا قديمًا من البرونز. ومعه قصاصة ورق. مكتوب عليها بخط أمي إذا وصل المفتاح إليكِ، فمعناه أن الصندوق الثامن عشر لم يُسرق… توقفت أنفاسي وأنا أكمل القراءة. …بل اختار صاحبه الجديد. رفعت رأسي ببطء. وبصيت للمفتاح في إيدي. وفي اللحظة نفسها… سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام البيت. ثم أخرى. ثم ثالثة. وبعدها مباشرة… وصل إلينا صوت طرق هادئ جدًا على الباب. ثلاث طرقات متتالية.

كأن الطارق واثق تمامًا أن من بالداخل يعرفه أنا وسامح اتبادلنا النظرات. الغريب إن الطرقات ماكنتش عنيفة ولا مستعجلة. بالعكس… كانت هادئة بشكل مخيف. تك… تك… تك. ثم ساد الصمت. سامح اتحرك ناحية الشباك بحذر. بص من فتحة صغيرة بين الستاير القديمة. وفجأة رجع خطوة لورا. قلت بسرعة مين؟ لكنه ما ردش. وشه كان شاحب. كررت السؤال. فقال راجل واحد. ومين يعني؟ بلع ريقه وقال محمود عزت. اتجمدت مكاني. نفس الاسم اللي في الصورة.

نفس الراجل اللي شوفته في جنازة أمي. لكن ده مستحيل. حسب الملفات، الراجل ده المفروض مختفي من سنين طويلة. رجعت الطرقات تاني. ثلاث طرقات بنفس الهدوء. ثم وصل صوت من بره الباب يا هناء… أمك قالتلي إن اليوم ده هييجي. شعرت بقشعريرة تسري في جسمي كله. الصوت كان ثابت. هادئ. وصادق بشكل غريب. سامح صاح فجأة متفتحيش الباب! لكن الراجل بره رد فورًا وأنت بالذات مالكش حق تمنعها. ساد صمت ثقيل.

ثم أضاف لأنك عارف إن الحقيقة ناقصة. الكلمات دي أصابت سامح في مق.تل. واضح إنه فعلاً مش عارف كل حاجة. بعد لحظات طويلة من التردد… قربت من الباب. وسألت إنت مين؟ جالي الرد فورًا أنا آخر شخص أوصتله أمك قبل وفاتها. قلبي دق بعنف. فتحت الباب ببطء. وكان واقف قدامي. نفس الراجل اللي في الصورة. لكن أقرب. وأوضح. وفي عينيه حزن غريب. مش أول ما دخل بص على الملفات. ولا على المفتاح.

انت في الصفحة 5 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى